عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
17
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
الباب الأول في الطريق الموصلة للنفوس الزكية إلى المحبة الحقيقية اعلم أن أجلّ ما في الوجود السعادة الأبدية كما تقدم ولا يتوصل إلى هذه السعادة إلا بمحبة الحق تعالى بكل القلب من غير شرك في محبته . ولا يوصّل إلى كل محبة إلا المعرفة بكمال المحبوب وجماله إذ من لا يعرف لا يحبّ ، وكلما كان المحبوب في نهاية الأوصاف الجميلة وحصلت المعرفة التّامّة بتلك الأوصاف على حقيقتها ظهرت المحبة على الذات العارفة عقيب ذلك ظهورا لازما أجرى اللّه بذلك السنّة . فالمحبة إذا ثمرة المعرفة والمعرفة علّة المحبة وسببها فهي متقدمة على المحبة بالسبب والمحبة متقدمة عليها بالشرف من حيث نها مقصودها ، وكل محبّ عارف وليس كل عارف بمحبّ أعني في ابتداء المعرفة ، فأما إذا حصلت المعرفة على الكمال وتوالت بتواليها المحبّة حصل كل واحد منهما على الآخر ، فحينئذ يكون المحبّ هو نفس العارف والعارف هو عين المحبّ من غير رتبة ، وذلك أن المعرفة إذا تأكّدت أثمرت المحبّة وإذا تأكّدت المحبة تجلّت للمحبّ أوصاف حبيبه ، ودام هذا التجلّي بدوام المحبة ودامت المحبة بدوام التجلي ، وحصل من ترادف هذه الواردات على قلب المحب معرفتها على ما هي عليه ، فقد اتّحد بهذا الشهود والتجلي محبّة العارف ومعرفة المحبّ ، وصار كل واحد من هذين المقامين مولّدا للآخر على التعاقب . ولما كانت المعرفة لا بدّ من تحصيلها - إذ كانت لا توجد في النفس بأول الفطرة لسبق الأوهام إلى الإنسان أولا قبل شروق نور العقل ورسوخ تلك الأوهام بالعادة ، هذا في حق أكثر الخلق إلا النادر والشاذّ - فلا تحصل المعرفة عند الجمهور في أول الأمر إلّا بطريق النظر والاستدلال بالصناعة الإلهية ، إذ الصنعة